ثمة مفارقة صامتة تتشكّل في قلب مؤسسات كبرى حول العالم: كلما زادت اعتماداً على الذكاء الاصطناعي في أعمال المعرفة، كلما قلّص هذا الاعتماد عدد الخبراء البشريين القادرين على تدريب هذه الأنظمة وتصحيح أخطائها. النتيجة ليست اقتصادية فحسب، بل وجودية للنماذج ذاتها.

الخبير البشري: الوقود الذي تُحرقه الآلة

تعتمد نماذج الذكاء الاصطناعي في تحسينها المستمر على آليتين رئيسيتين: إما التحسين الذاتي المستقل، وإما التغذية الراجعة من مُقيّمين بشريين ذوي كفاءة عالية. في مجالات مثل القانون والطب والمحاسبة والهندسة، هذا يعني أن النموذج يحتاج إلى محامٍ حقيقي أو طبيب متمرس ليحكم على جودة مخرجاته. لكن حين تُخفّض الشركات كوادرها البشرية اعتماداً على هذه النماذج، فإنها تُجفّف المنبع الذي تشرب منه.

حلقة مفرغة تُهدد جودة البيانات

المشكلة أعمق من مجرد توفير وظائف. حين يغادر الخبراء السوق أو يتراجع تكوين أجيال جديدة منهم، تفقد أنظمة الذكاء الاصطناعي قدرتها على الحصول على بيانات تدريب عالية الجودة. الاعتماد على مُقيّمين أقل خبرة يُدخل أخطاء منهجية صعبة الكشف، وتتراكم مع كل دورة تدريب جديدة. ما يبدو توفيراً على المدى القصير قد يتحول إلى تدهور تدريجي في أداء النماذج على المدى البعيد.

المؤسسات لا تضع هذا الخطر في نماذجها

وفق ما رصده VentureBeat، فإن غالبية المؤسسات التي تعتمد الذكاء الاصطناعي في عملياتها لا تُدرج هذا النوع من المخاطر في تقييماتها الاستراتيجية. تُحسب المكاسب الفورية من تقليص الكوادر، لكن لا يُحسب الثمن المؤجل المتمثل في انهيار القدرة التقييمية الداخلية. وهذا غياب مقلق في حوكمة الذكاء الاصطناعي المؤسسي.

ماذا يعني هذا للمنطقة العربية؟

في سياق الدول العربية التي تُسرّع تبنّي الذكاء الاصطناعي في القطاعات الحيوية كالصحة والتعليم والخدمات الحكومية، يصبح هذا الخطر مضاعفاً. الخبرات المحلية المتخصصة نادرة أصلاً، وأي تآكل فيها سيُعيق بناء نماذج مُكيّفة مع السياق المحلي واللغة العربية. الاستثمار في تكوين خبراء بشريين ليس ترفاً، بل شرط لاستدامة الذكاء الاصطناعي ذاته.

السؤال الذي يجب أن تطرحه كل مؤسسة على نفسها: هل نبني ذكاءً اصطناعياً يُقوّي كفاءاتنا البشرية، أم نبني آلة تأكل الجذور التي تقوم عليها؟

المصدر: VentureBeat، https://venturebeat.com/technology/the-enterprise-risk-nobody-is-modeling-ai-is-replacing-the-very-experts-it-needs-to-learn-from