لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد فضاء للتواصل والترفيه. باتت، وفق أحدث تقارير لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية (FTC)، الساحة الأولى التي يختارها المحتالون للنصب على الضحايا. الرقم الصادم: 2.1 مليار دولار خسرها المستهلكون الأمريكيون خلال عام 2025 وحده، بسبب عمليات احتيال انطلقت من هذه المنصات.
أرقام تتحدث عن نفسها
الخسائر المرتبطة بعمليات الاحتيال عبر وسائل التواصل الاجتماعي تضاعفت ثمانية أضعاف مقارنة بالسنوات الماضية. والأخطر من الرقم المطلق هو التفصيل: هذه المنصات تجاوزت الهاتف والبريد الإلكتروني وسائر قنوات الاتصال التقليدية لتصبح الطريقة الأكثر خسارة من بين جميع الوسائل التي يعتمدها المحتالون للوصول إلى ضحاياهم. بمعنى آخر، التمرير اليومي عبر الفيد أصبح أكثر خطورة من فتح بريد مجهول.
لماذا تُصبح المنصات بيئة مثالية للاحتيال؟
الإجابة تكمن في طبيعة هذه المنصات ذاتها. خوارزميات التوصية تعرض المحتوى بناءً على اهتمامات المستخدم، ما يتيح للمحتالين استهدافاً دقيقاً لم يكن ممكناً في أي وسيلة سابقة. إعلانات مدفوعة تبدو احترافية، وحسابات مزيفة تحمل صور أشخاص حقيقيين أو مشاهير، وعروض تبدو مقنعة لأنها تصل في السياق الصحيح، كل هذا يخلق بيئة يصعب فيها التمييز بين الحقيقي والمزيف. ويزيد الذكاء الاصطناعي التوليدي الأمر تعقيداً، إذ بات إنتاج محتوى احتيالي شبه مثالي أسهل وأرخص من أي وقت مضى.
أبرز أساليب الاحتيال الموثقة
تقرير لجنة التجارة الفيدرالية يكشف أن أكثر عمليات الاحتيال شيوعاً تتمحور حول: عروض الاستثمار الوهمية ولا سيما في العملات الرقمية، والمتاجر الإلكترونية المزيفة التي تظهر كإعلانات ممولة، إضافة إلى الاحتيال العاطفي عبر بناء علاقات افتراضية وهمية. والقاسم المشترك بينها جميعاً هو استغلال الثقة التي يبنيها المستخدم تدريجياً مع ما يراه على شاشته.
وماذا يعني هذا لك؟
ببساطة: كل إعلان تراه على منصاتك، كل عرض يبدو مغرياً، كل حساب يتواصل معك بشكل مفاجئ، يستحق توقفاً قبل أي نقرة. الحماية ليست مهمة الشركات وحدها. أبسط خطوات الوقاية تبدأ منك: تحقق من هوية المعلن، لا ترسل أموالاً لأشخاص لم تلتقِ بهم في الواقع، وابحث عن اسم الشركة أو المنتج قبل الشراء. في 2025، التشكيك ليس بارانويا، بل هو أذكى أداة دفاع رقمي تملكها.
السؤال الأعمق الذي يطرحه هذا التقرير: إلى أي حد تتحمل المنصات الكبرى مسؤولية الخسائر التي تحدث على بنيتها التحتية؟ وهل الإجراءات الحالية للكشف عن الاحتيال كافية، أم أننا بحاجة إلى تنظيم قانوني أكثر صرامة؟