لم يعد الأمر مجرد نقاش أكاديمي حول تأثير الشاشات على الأطفال. بات سياسة عامة تُترجَم إلى قوانين وغرامات وحظر صريح. ما بدأته أستراليا في أواخر 2025 تحوّل اليوم إلى حركة تشريعية عابرة للقارات، وصداها بدأ يصل إلى المنطقة العربية.

أستراليا: الرائدة التي فتحت الباب

كانت أستراليا أول دولة تُصدر قانوناً يحظر على من هم دون سن السادسة عشرة استخدام منصات التواصل الاجتماعي. الدافع كان واضحاً: التنمر الإلكتروني، وإدمان المنصات، والضغوط النفسية التي يتعرض لها المراهقون يومياً. القانون لم يأتِ في فراغ، بل جاء بعد سنوات من الضغط المجتمعي وتقارير صحية متراكمة.

تشريعات تتكاثر من أوروبا إلى أمريكا

منذ إطلاق أستراليا قانونها، بدأت دول عدة في صياغة تشريعات مماثلة. في أوروبا، تتصدر فرنسا والنرويج المشهد، إذ تعمل كلتاهما على آليات تحقق من العمر تُلزم المنصات باتباعها. في المملكة المتحدة، يُشدَّد تطبيق قانون السلامة على الإنترنت الذي يفرض قيوداً على ما يظهر لمن هم دون الثامنة عشرة. أما في الولايات المتحدة، فتتقدم عدة ولايات بمشاريع قوانين محلية في غياب تشريع فيدرالي موحد.

المنصات في مواجهة الحكومات

لا تقف شركات مثل Meta وTikTok وSnap مكتوفة الأيدي. بعضها يُطوّر أدوات داخلية للتحقق من العمر، وبعضها يُعلن معارضته القانونية مستنداً إلى حجج تتعلق بحرية التعبير وصعوبة التطبيق الفعلي. المفارقة أن هذه المنصات ذاتها تُقرّ بأن خوارزمياتها مُصمَّمة لتعظيم وقت الاستخدام، وهو ما يُغذّي الإدمان بالضبط.

المنطقة العربية: نقاش يتصاعد وتحديات جوهرية

حتى اليوم، لم تُصدر أي دولة عربية حظراً رسمياً مماثلاً، غير أن ثمة مؤشرات على تحرك حقيقي. في الإمارات، تعمل هيئة تنظيم الاتصالات والحكومة الرقمية على تطوير إطار لحماية القاصرين في الفضاء الرقمي. في المغرب، طُرحت توصيات برلمانية تدعو إلى تنظيم وصول الأطفال إلى المنصات، وإن ظلت بعيدة عن مرحلة التشريع الفعلي. أما في السعودية، فتُولي هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية اهتماماً متزايداً بملف الأمان الرقمي للأطفال ضمن رؤية 2030. التحديات في المنطقة مضاعفة: غياب بنية تحتية للتحقق من الهوية الرقمية، وثقافة استخدام مشترك للأجهزة داخل الأسرة، فضلاً عن ضعف الوعي بالصحة النفسية الرقمية لدى الأهل أنفسهم.

وماذا يعني هذا لك؟

إن كنت والداً في المنطقة العربية، فأنت أمام مشهد يتغير بسرعة: ما كان خياراً شخصياً قد يصبح قريباً التزاماً قانونياً، حتى في بلدك. وإن كنت مستخدماً عادياً، فهذه القوانين ستُعيد رسم هوية المنصات ذاتها، لأن فرض قيود على جزء من المستخدمين يعني إعادة تصميم التجربة الكاملة. السؤال الحقيقي ليس هل ستنتشر هذه القوانين، بل هل ستملك المنطقة العربية البنية التقنية والتشريعية الكافية لتطبيقها فعلاً حين يحين الوقت.